محمد جعفر استر آبادى ( شريعتمدار )
271
البراهين القاطعة في شرح تجريد العقائد الساطعة
أمّا البارئ تعالى ، فكلّ من يعتقد أنّه جسم أو مباشر للأجسام ، فقد يمكن له أن يصفه بالإدراك الحسّيّ ، وكلّ من ينزّهه عن ذلك ، ينزّهه أيضا عن هذا الوصف . ولمّا كان السمع والبصر ألطف الحواسّ وأشدّها مناسبة للعقل ، عبّر بهما عن العلم في كثير من المواضع ، كما في قوله عزّ من قائل : وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ « 1 » وقوله تعالى : وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ « 2 » وفي غير ذلك من المواضع التي لا يمكن أن تعدّ ، ولذلك وصفوا البارئ تعالى بالسميع والبصير دون الشامّ والذائق واللّامس ، وعنوا بهما العلم بالمسموعات والمبصرات وفرّقوا بين السامع والسميع ، والمبصر والبصير ، وجميع ذلك من المباحث اللفظيّة ، وأكثر المتكلّمين يخصّصون الإدراك بالحسّ ويتنازعون في جواز وصف البارئ تعالى به ، ثمّ في المراد منه إذا وصفوه به ، فيذهب بعضهم إلى الإحساس ، وبعضهم إلى العلم بالمحسوسات « 3 » . انتهى . فقوله : ( والعقل على استحالة الآلات ) إشارة إلى تنزيهه تعالى عن الجسميّة ومباشرة الأجسام ، فوجب من مجموع الدلالتين القول بكونه سميعا بصيرا من دون آلة وجارحة . وفي قوله : والسمع دلّ ، إشارة إلى ضعف ما استدلّ به بعضهم على كونه تعالى سميعا بصيرا وهو أنّه حيّ ، وكلّ حيّ يصحّ اتّصافه بالسمع والبصر ، وكلّ ما يصحّ في حقّه تعالى ، يجب أن يكون ثابتا له بالفعل ؛ لبراءته عن القوّة والإمكان ، وذلك لتوقّفه على أنّ الحياة في الغالب تقتضي صحّة السمع والبصر . وغاية متشبّثهم في ذلك إمّا طريق السبر والتقسيم على ما ذكره إمام الحرمين « 4 » ؛ فإنّ الجماد لا يتّصف بقبول السمع والبصر ، وإذا صار حيّا اتّصف بهما إن لم يقم به
--> ( 1 ) . الملك ( 67 ) : 10 . ( 2 ) . الأعراف ( 7 ) : 198 . ( 3 ) . « شرح رسالة العلم » : 37 - 38 . ( 4 ) . « شرح المقاصد » 4 : 139 .